اليوم
ثمة حزن يصبح معه البكاء مبتذلاً، حتي لكأنه إهانة لمن نبكيه.
فلِمَ البكاء، مادام الذين يذهبون يأخذون دائماً مساحة منَّا، دون أن يدركوا، هناك حيث هم، أنّنا موتاً بعد آخر نصبح أَوْلي منهم بالرّثاء، و أن رحيلهم كسر ساعتنا الجداريّة، و أعاد عقارب ساعة الوطن.. عصوراً إلي الوراء؟
( أحلام مستغانمي - فوضى الحواس )
في يوم كهذا رحل.. منذ قرن أو يزيد .. رحل تاركاً جداراً لم يكتمل.. في بيت كان يوماً أبهي من الكرنك.. أكان علي موعد مع أمه؟!.. أم هي ضحكة أخري للقدر علي حسابنا؟!
عشقته .. و قبله عشقت بلاده .. و عشقت ولائه لوطنه.. فأصرت أن تربي أولاده مصريين..، و كأنها تنتقم من أهلها الذين عاقبوها علي حب المصري، ربت أولاده مصريين. فهم قبل كل شيء لم يحملوا من ملامحها شيئاً، حملوا لونه الأسمر، أنفه المصري، عينيه.. عشقته .. فأنجبت نسخاً منه و كأنها لا ترضي أن يكون هو فقط .. و إنما أرادت أن تملأ به الأرض.
نجلس في ليلة شتاء مصرية دافئة.. تعلمني اللغة العربية بلهجة إنجليزية تدفع البسمة علي شفتاي كلما تذكرتها و هي تقول " فعل و فاعل و مفعول به.. تدرسني تاريخ مصر كما عاشته لا كما رواه المؤرخون.. تعلمني الإنجليزية و كيف أتذوق أشعار شكسبير ، تعلمني الفرنسية.. كيف أستفزها و أخرجها عن هدؤها المعهود عندما أحدثها بلهجة أمريكية .. ترضعني حنان العالم كله .. حنان إذا وزعته علي كل سكان الأرض يفيض منه ما يكفي أجيال قادمة.
نجلس حول المدفأة في ليلة خريف إنجليزية باردة.. تلومني علي تفضيلي للقهوة علي الشاي ..تعلمني تاريخ انجلترا و تحدثني عن الملك جورج السادس.. و غطرسته.. تحدثني عن فارس مصري تركت أهلها من أجله.. تحدثني عن الرجال.. و كيف تكون رجلاً مثله فهو نموذج الرجل و ما يجب أن يكون عليه كل ذكر حتي يستحق أن يطلق عليه رجلاً.
تقص علي أسطورة عشق لم تكتب..
أري بنائها لثلاثة أهرامات و منارتين هم أولادها و بناتها.. و أراها تبني هرماً جديداً هو أنا.. و قبل أن يكتمل البناء .. تترك أحجارها الكريمة و أدوات البناء و ترحل في يوم كهذا.. حينها أصبح البكاء مبتذلاً .. فكيف تبكي مثلها.. أتبكيها أم تبكي علي الهرم المنقوص ؟!!
أن تكون ابنها …
ليس بالأمر الهين.. أن تربيك تلك المرأة شديدة الصلابة .. فأنت محظوظ.. أن تكون مصري القلب مزدوج الثقافة .. فهذه ميزة لا شك. أن تتعلم كيف تفكر باستقلال و تتخذ قراراتك بدون تأثير من أي شخص فهذه قدرة .. أن تنقسم حياتك بين عالمين و بين بلدين و تظل محتفظاً بسلامتك النفسية " integrity " فهذا إنجاز..
أن تكون أبي .. فهذا ما لايمكن أن يكونه أحد غير أبي..
أن تكون أسطورة و بطل ملحمي علي قياس أخيل "Achilles " .. أن تنهدم حياتك فوق رأسك .. فتقوم نافضاً الغبار عنك و تبدأ في البناء من جديد.. فأنت إذاً إنسان استثنائي..
أن تعيش فوق قمة الأولمب .. ثم تموت كالبشر .. فهذا يعني أنك لم تكن شيئاً سوي بشر من البداية .. لكنك كنت ترتدي عباءة زيوس.. كانت تناسبك و لكنك لم ترتديها .. رأيتك تلبسها فنسيت أنك بشر.. و ضممتك إلي زمرة الآلهة.
في يوم كهذا وضعتك في القبر ثم فككت أربطة الكفن و بعدها نثرت التراب علي وجه الهرم… و رحلت… فأدركت فجأة أنك بشر.. و كأني لم أكن أعرف.. أو لم أرد أن أصدق.. فكيف بمثلك أن يكون بشراً !!!
كم أشعر بالضآلة بجوارك .. كم كنت أشعر بالأمان في وجودك..
كم أفتقد رحلات الصيد معك.. ركبتي المخدوشة من سقطة و أنت تعلمني ركوب الدراجة..
كم أفتقد تعليماتك لرفع دقة إصابتي في الرماية.
أبي .. كلما تمر بي الأيام أدرك أنه ليس بين الرجال من هو أعظم منك..
أبي… قلمي لا يريد أن يستمر في الكتابة، فمهما كتب لن يوفيك عرفاناً،
و مهما كتب لن يضيف إليك شيئاً،
فاغفر لي لأنك من فرط عظمتك قد حرمتني أن أوفيك حقك.
