حقيقي
هل جربت يوماً أن تعاين قطعة ثلج بين يديك.. تتغير أبعادها كلما لامستها.. كلما اقتربت منها .. كلما عايرتها تختلف..و فجأة لا تجدها بين يديك .. هل هي حقيقية ؟!! هل هي موجودة؟!!.. تذوب ولا يبقي منها شيء سوي برودة أناملك.. تشك في أنك منذ لحظات كنت تمسكها .. كنت تحس صلابتها في كفيك..
ارتفع قليلاً عن إطار تلك الصورة .. أنت الآن تقف أمام الثلاجة في مطبخ ربيت فيه.. منذ بضع سنوات لم تكن تلك الثلاجة هنا.. قطعة الرخام فوق المائدة أيضاً لم تكن هنا لون الأرضية تغير.. هل ما كان .. كان موجوداً بالفعل أم هو مجرد ذكريات تحملها كأول ملامسة لقطعة الثلج.. أخرج من بيتك.. بينما تنزل درجات سلم عمره أكبر منك.. تمر أمام الأبواب .. كان هنا يعيش فلان .. لكنه لم يعد اليوم موجود..تنزل طابق.. هنا كانت تعيش تلك السيدة التي كانت تعطيك قطعة من الحلوي كلما تراك.. حتي بعد أن صرت رجلاً و كست رأسها الفضة.. لكنها لم تعد تعيش هنا.. و تنزل طابق أخر..كان هنا أناس تعرفهم.. اليوم هنا أناس جدد.. تواصل النزول.. في هذا المدخل حدثت قبلتك الأولي.. أين هي الآن ؟؟ تخرج إلي الشارع .. شجرة أكبر منك عمراً .. سقطت علي سيارة جديدة.. أحتي الشجر يغادر جذوره؟!!..الشارع نفسه لم يعد كما عرفته.. مشيته ألف مرة .. و كل مرة تشعر أنه يتغير لكنك ابداً لم تستطع تحديد ما هية ذلك التغيير الخفي.. صديق لم تكونا تفترقا.. لم تسمع صوته منذ أسابيع .. هو أيضاً تغير.. آخر ما تعرفه عنه .. زوجة وطفل قادم.. صديق أخر يحدثك من الكويت العاصمة .. أخر مرة رأيته كنا علي قهوة بجوار بيته .. لا تتذكر أهي أسابيع أم شهور.. لم تر منهم أحداً من بعدها..
تذهب إلي عملك يوم عطلة.. مسئولية ضخمة علي عاتقك.. نتائج ينتظرها عدد من أكبر الرءوس.. لابد أن تنتجها اليوم.. معتمداً علي أن ينجز الأخرون عملهم.. متشكك في أنهم سيفعلوا ما قالوا.. لكن يطمئنك أن العواقب عليهم وخيمة.. سيفعلوها .. حماية لأنفسهم.. أما إذا تركوا بدون مشنقة معلقة أمام أعينهم فلن يفعلوا.. كذلك البشر.. تذهب مبكراً لتحثهم.. و للمفاجأة تجدهم يسلمونك ما تنتظره قبل ميعاده بثلاث ساعات كاملة.. ليس لسبب سوي أن لديهم مشنقة أخري ليتجنبوها لكنها أبعد قليلاً من مشنقتك.. لم تكن تعمل هنا السنة الماضية.. لكن كل شيء يتغير..
حياتك كلها هي قطعة الثلج.. ليس فيها شيء حقيقي.. ليس فيها من تعتمد عليه.. معظم من اعتمدت عليهم خذلوك..اليوم لا تطلب شيئاً من أحد.. ولا تعتمد علي أحد.. فلن يحك ظهرك مثل ظفرك .. ليس فيها من تأمنه.. فكل من آمنتهم.. و هم قليل.. خانوك.. انتظر قليلاً.. هم لم يخونوك.. مؤكد لديهم مبررات لأفعالهم .. مبررات مقبولة و منطقية للغاية .. من وجهة نظرهم.. خلاصتها أن مصلحتهم أهم لديهم من مصلحتك.. لكن أحداً لا يعترف.. يزيفون الأسباب .. فهل تلومهم!!.. محقين هم..
تذوب قطعة الثلج بين يديك كل يوم.. تحاول أن تتشبث بها .. لكنها كلما تشبثت بها ذابت أسرع.. تحاول أن تبحث عن الحقائق القليلة.. تبحث عن الملموس.. ما يمكنك قياسه..
كان هناك يوم حقيقة.. لكنها لم تعد تعيش بيننا.. كان هناك يوم عائلة .. اليوم تقلصت فلم تعد.. كان هناك … حقائق..
مزيف.. كل ما تراه.. كل ما تعيشه.. تلك الابتسامات مزيفة.. ذلك الود.. مزيف.. دائماً ما أفرح بطفل يحبني.. فهم لم يعرفوا معني المصلحة بعد.. لم يعرفوا كيف يحسبون نتائج حبهم بعد.. يحبوني هم ..و لم يتعلموا تزييف المشاعر بعد.. حتي إذا لم أحضر لهم الحلوي .. أجدهم أكثر ترحيباً.. ذلك الثناء مزيف.. مع أول خطأ مهما صغر حجمه.. سينزل عليك الغضب "wrath" و تحل عليك اللعنات.. و غداً ستوضع في اختبار أخر.. ويلك إن فشلت..
لم يبق اليوم سوي حقيقة واحدة.. تتشبث بها لعلها تبقي.. تلك الحقيقة هي الأصعب.. فهي إما صفر و إما واحد ليس هناك كسور.. فمتي تذوب تلك الحقيقة.. و لماذا تذوب ستعزلها عن العالم .. ستتركها حتي لا تذوب.. و في سبيل ذلك فلتحارب..
